أولكو أوزل أقاغوندوز

لدى الحديث عن مصر يخطر على بالنا النيل والأهرامات وأم كلثوم… فصوتها صوت القاهرة، بل هو صوت معروف في كل المدن العربية كدمشق على سبيل المثال حيث كان صوتها قبل الحرب التي تشهدها سوريا يصدح في الطرقات والسيارات والحوانيت. فكم من الناس يستيقظون على صوتها. ولكن أكثر المدن احتضانا لصوتها هي القاهرة مسقط رأسها، حيث يمكنكم الاستماع لصوتها في أثناء التسوق وشراء أجمل الهدايا التذكارية التي تستهوي النفوس في مختلف أنحاء القاهرة. وما أروع الاستماع لأغنيتها “أنت عمري” مع مشاهدة القوارب الشراعية التي تجري على مياه النيل! فأم كلثوم ليست حكاية قديمة في القاهرة إذ ما زال صوتها الشجي كنسيم أصيل بحري يهب في حنايا القاهرة كلها… في الأحياء الفقيرة وعلى ضفاف النيل، في أوقات العمل نهارا وفي أوقات الاستراحة ليلا حيث تخيم الكآبة على الوجوه.

عندما مررت بمقهى شعبي قديم شاهدت أمام أحد جدرانه تلفزيونا قديما تظهر على شاشته أم كلثوم بالأبيض والأسود وهي تحيي إحدى حفلاتها. والحضور ينصتون لصوتها وكأنهم جالسون على الكراسي الخشبية قبل مئة عام. وكأن أم كلثوم تغني تلك الأغاني للمرة الأولى… وأخذت أتابع التلفزيون مسحورة وأنا محمَّلة بالأكياس أثناء وقوفي على الرصيف، فإذا بشخص يلوِّح لي من داخل المقهى، ويقول لي: تعالي وتابعي أم كلثوم من هنا، فما أكثر المصادفات التي تحدث بسبب أم كلثوم! ففي كل مكان قد تسطع لنا نجمة الغناء أم كلثوم. وقد تسمعون صوتها في أماكن لا تتوقعونها، ففي أحد محلات العصير الطازج في ساحة رمسيس سمعت صوتها يصدح بالأغاني الحزينة عند ارتشافي عصير المانجو الطازج فسرحت بعيدا بمخيلتي وأنا أحمل الكأس بيدي. فصوتها العذب يمسح عن القاهرة تلوث الهواء ويُهدِّئ من صخبها لتعشقوا هذه المدينة أكثر فأكثر

من السهل أن تكتفوا بشراء الهدايا الصغيرة والمفاجآت التذكارية فهي لا تكلفكم الكثير. ولكن إذا أردتم تتبع آثار أم كلثوم فالطريق إليها يمتد بارتفاع وبعض الأبواب في حارتها لا تُفتح بسهولة كأبواب القبور مثلا… فكثير من الناس يسكنون القبور في حي البساتين، وما من أحد في هذا الحي إلا ويعرف قبر أم كلثوم. وكان جمهور هذه المرأة الأسطورية يصفق لها بحرارة حتى عند توقفها عن الغناء لتستنشق نفسا عميقا. وترقد الآن أم كلثوم في قبر ضمن أحد بيوت حي البساتين. وقد دلَّنا على القبر أحد عمّال الحجر ثم امرأة كانت تكنِّس أمام بيتها دون أن يشرد أي منهما عن عمله في مشهد حزين. وحارس القبر حين يحصل على مبلغ من المال يفتح الباب الخشبي للدخول إلى البيت الذي يحوي القبر، وذلك بواسطة أحد عشرات المفاتيح التي يحملها. ولدى دخولنا رأينا غرفة ذات جدران مبنية من الحجر الأصفر، ومجموعة من الكراسي الفخمة وطاولة تتوسطها، وبعض الوردو الاصطناعية. وفي الجهة اليسرى ترقد أم كلثوم أما ف يالجهة اليمنى فترقد أمها التي عاشت معها سنين كثيرة، وكلتاهما ترقدان تحت قطعة من الرخام، وثمة مصحف على حاملة مصحف خشبية فوق كل منهما. هنا ترقد أم كلثوم التي صاحت يا الله في الحج، وكادت تفقد وعيها. وقد شارك في جنازتها 4 ملايين ونصف المليون شخص، وكان إمام صلاة الجنازة على أم كلثوم قد أثنى تديُّنها. ويقال إن أم الأحزان أم كلثوم هي المرأة الوحيدة التي أفتى شيخ الأزهر بجواز الاستماع لأغانيها

والبحث عن أم كلثوم في القاهرة مصحوب بشيء من الشغف والإصرار وكأنه لعب طفولي ممتع. في حين أن مشاهدة القصر ذي الدير في جزيرة الروضة على نهر النيل تبهج نفوس الزوار كثيرا. والآن نحن في المتحف. حيث يدخل الزوار القاعة البانورامية بصحبة مرافق بشوش الوجه، ويشاهدون لقطات من حياة كوب الشرق أم كلثوم مع أنغام الموسيقا، وفي قاعة الفيديو يشاهدون فيلما وثائقيا عن حياتها. ومن اللافت للنظر ثيابها التي كانت ترتديها في أثناء الغناء وقفازاتها ونظارتها السوداء الشهيرة ومنديلها وعودها وأسطواناتها وجواز سفرها ودفتر ملاحظاتها الصغير وميدالياتها وصورها العائلية وصورها مع إخوتها في الطفولة وهي ترتدي الثياب البدوية. وقد شوهدت أم كلثوم في أفلام السينما وهي تحمل إبريقا على كتفها بعد أن أصبحت فنانة مشهورة، ولكن ثمة صورة حقيقة كذلك وهي تعيش حياة الفقر. الصور الملتقطة لأم كلثوم في أفلامها تشكل حيزا كبيرا من أرشيفها اليوم، وقد وصلت شهرة تلك الأفلام إلى شارع بَي أوغلو في إسطنبول. وثمة دعاية نشرتها سينما تقسيم في الجريدة: “سينما تقسيم تعرض فيلم (وداد) أشهر أفلام سلطانة الطرب الوحيدة أم كلثوم التي نسمع صوتها البلُّوري كل مساء في كل إذاعات العالم”. صحيح أن عبارة (كل إذاعات العالم) الواردة في هذا الإعلان ذات مبالغة كبيرة إلا أنها تشير إلى حقيقة واضحة. ولا شك أن حفلاتها التي كانت تُنقل على الهواء مباشرة عبر إذاعة مصر الوطنية مساء أول خميس من كل شهر كانت تجذب المستمعين إلى أجهزة الراديو في دمشق وحلب وبيروت والدار البيضاء وحتى إسطنبول. في حين أن المتحف الواقع على ضفاف النيل قد حافظ على هذه العادة منذ تأسُّسه حتى الآن حيث يعرض في الخميس الأول من كل شهر حفلات أم كلثوم إحياءً لذكراها. فالإنسان يتوق إلى صوتها، لأنه صوت مفعم بالأسرار كصحاري مصر، ومبارك كالنيل