تُقدَّر تكاليف إنشاء مطار إسطنبول الثالث الذي سيُففتح خلال العام الجاري بأكثر من 10 مليارات يورو، وسيجعل هذا المطار من أهم المراكز الحيوية للنقل الجوي في العالم. وسيُعاد تحديد الموازين في مجالات النقل الجوي والسياحة والخدمات اللوجستية

مطار إسطنبول الثالث هو المطار الجديد الذي تستمر أعمال إنشائه بسرعة شماليَّ مدينة إسطنبول، وهو أكبر مشروع استثماري في تركيا، وتُقدَّر تكاليفه بنحو 10.25 مليار دولار. ومثل هذه المشاريع العملاقة قليلة حتى على مستوى العالم. ويتكون هذا المشروع من أربع مراحل ويهدف إلى استقطاب 150 مليون مسافر سنويا بعد اكتمال المرحلة الأولى، و200 مليون مسافر بعد اكتمال المراحل المتبقية، وستُسيَّر رحلات جوية إلى 350 نقطة في مختلف إنحاء العالم. ومن المتوقع أن يحقق هذا المطار قفزة افتصادية نوعية ليس في إسطنبول وعموم تركيا فحسب بل في المنطقة كلها. وإذا ما نظرنا من زاوية ضيقة إلى هذا المشروع يمكننا القول إن مطار إسطنبول الثالث هو مشروع تجاري مهم بالنسبة لقطاع النقل الجوي. ولكن إذا ما فكرنا بحجم هذا المشروع وتأثيره في المنطقة لقلنا إنه مشروع اقتصادي عملاق  ذو تأثيرات اجتماعية ويفوق حدود القطاع الجوي

 

تطور النقل الجوي

يبعد مطار إسطنبول الثالث عن مركز المدينة مسافة 35 كم إلى الجهة الشمالية، ويشغل مساحة 76.5 مليون متر مربع. أي إنه أكبر مساحةً من دولة سان مارينو. وتتميز إسطنبول بموقع جغرافي فريد فهي ملتقى آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، الأمر الذي يزيد من أهميتها في مجال النقل الجوي الدولي، لذا فإن القطاع الجوي الذي حقق نموا بنسبة 5.6% على الصعيد الدولي قد نما في تركيا بنسبة 14%. وأهمية إسطنبول هو العامل الأبرز في هذا النمو

وبحسب التقرير الذي أصدره مجلس المطارات الدولي حول الخطوط الجوية في سنة 2015 فإن مطار أتاتورك الدولي بإسطنبول من بين المطارات التي تستقطب أكثر من 25 مليون مسافر سنويا، وهو ثاني مطار في العالم من حيث زيادة عدد المسافرين بنسبة 9.1% سنويا. في حين أن مطار صبيحة غوكجن الدولي في القسم الآسيوي من إسطنبول من بين مطارات العالم التي تستقطب ما بين 10-25 مليون مسافر سنويا، ويزداد عدد المسافرين فيه بنسبة 19.7% سنويا، وهو المطار الأكثر نموًّا في العالم. وبسبب الازدحام في مطاري إسطنبول تتأخر بعض الرحلات بمعدل 13 دقيقة، وهما في المرتبة الثالثة على مستوى أوروبا

 

ستزداد أهمية إسطنبول

يشير نمو النقل الجوي في إسطنبول وتأخر الرحلات الجوية فيها إلى وجود صعوبة في تنظيم الرحلات على الرغم من سرعة النمو. ولذلك فإن مطار إسطنبول الجديد (الثالث) الذي سيستقطب 200 مليون مسافر سنويا سيجعل من إسطنبول أسرع مدن العالم نموا من حيث النقل الجوي دون مشاكل

 

القوة الاقتصادية

إن مطار إسطنبول الثالث أحد أهم العوامل التي ستسهم في نمو الاقتصاد التركي. وبحسب التحليل الذي أصدره مجلس المطارات الإنكليزي ازدياد المسافرين بنسبة 10% يسهم بنسبة 1% في النمو الاقتصادي على المدى القريب. وهذا التحليل لافت للنظر من حيث الإشارة إلى أهمية العلاقة بين النقل الجوي والنمو الاقتصادي. وقد أفادت منظمة الطيران المدني الدولي أن النقل الجوي يسهم بنسبة ما بين 35-40% من التجارة العالمية، وهذا يؤكد مدى القوة الاقتصادية التي سيحققها مطار إسطنبول الثالث. أي إن هذا المطار لن يترك أثره الإيجابي في النقل الجوي والسياحة فقط بل في الاقتصاد العالمي أيضا. ولذلك فإن أهم قطاع سيستفيد من هذا المار هو قطاع الخدمات اللوجستية. وقد قال رئيس جمعية النقل الجوي الدولي والخدمات اللوجستية طورغوت أركسكين: “بدأت الشركات اللوجستية المحلية والأجنبية بوضع خطط للاستثمار بمليارات الدولارات في منطقة المطار الثالث من أجل تأسيس مؤسسات عملاقة فيها”. وأشار أركسكين إلى أن إجراءات أي حمولة تنزل في أحد مطاري إسطنبول الحاليين تستغرق 48 ساعة، منوِّهًا بأن هذه المدة ستقصر إلى 3 ساعات فقط في مطار إسطنبول الثالث. لذا فإن الخدمات المتطورة والسريعة التي ستُقدَّم في هذا المطار ستجعل من إسطنبول مركزا تجاريا مهمًّا بين الشرق الأقصى الذي يُعد مركز الإنتاج العالمي، والغرب الذي يُعد مركز الاستهلاك العالمي. وجدير بالذكر أن قرب موقع المطار الجديد من البحر سيزيد من أهميته، لأن هذا الموقع سيسهِّل النقل الجوي والنقل البحري بالنسبة للشركات اللوجستية

 

مركز حيوي حديث مع مطار إسطنبول الثالث

مطار إسطنبول الثالث ليس مجرد مطار عادي بل إنه كمدينة متكاملة. ومع مدينة مطار إسطنبول التي تُنشأ بالقرب من هذا المطار ستُلبى احتياجات المسافرين كالمبيت والتسوق ومتطلباتهم الاجتماعية والثقافية. وستُبنى في مدينة مطار إسطنبول فنادق، ومولات، ومكاتب، وبيوت شبابية، وجوامع، ودور تعليم، ومراكز ثقافية وفنية، ومشافٍ، ومعارض

ومن ناحية أخرى فإن تأسيس شبكة مواصلات سريعة وآمنة بين المطار ومركز عاملا مهما في تنشيط الحركة التجارية. وثمة أهمية كبرى للمعارض والمؤتمرات في القطاع السياحي. ومن المعروف أن المشاركين في المعارض والمؤتمرات ينفقون الكثير من أموالهم. وستزداد عدد المعارض والمؤتمرات الدولية كثيرا في إسطنبول مع افتتاح المطار الجديد الذي سيزيد من عدد الوافدين إلى إسطنبول وسيسهل حركتهم فيها. وهذا ما سيقوي اقتصاد المنطقة كثيرا

وهكذا يتضح لنا أن مطار إسطنبول الثالث لن يسهم في دعم قطاعي النقل الجوي والخدمات اللوجستية فحسب بل سيزيد من رفع المستوى المعيشي في المنطقة. وبذلك ستنشط السوق العقارية في إسطنبول خصوصا وتركيا عموما. أي إن مطار إسطنبول الثالث سيسهم في تطوير الحياة الاقتصادية والثقافية في المنطقة برمتها وليس في إسطنبول فقط