الرحلات الجوية التي ستبدأ بتاريخ 30 أكتوبر 2018 في مطار إسطنبول الجديد (الثالث) ستغير الحركة الجوية في تركيا والمنطقة. وهو أكبر مطار في العالم، إذ يستوعب 200 مليون مسافر سنويا. وسيكون هذا المطار أحد أهم المراكز السياية والتجارية واللوجستية في العالم.

 

وسيكون يوم 30 أكتوبر 2018 نقطة تحوُّل في تاريخ الطيران العالمي. وقد بلغت تكاليف إنشاء مطار إسطنبول الجديد أكثر من 10 مليارات يورو ليكون الأكبر من نوعه في العالم. حيث سيستوعب هذا المطار في بعد اكتمال المرحلة الأولى 90 مليون مسافر سنويا، وبعد اكتمال المراحل الأربعة سيستوعب 200 مليون مسافر سنويا. لذا فإن مطار إسطنبول الثالث سيغر ملامح حركة الطيران العالمية والتجارة الدولية، وهو يقع شمالي مدينة إسطنبول ويبعد عن مركزها 35 كم، في حين تبلغ مساحته 76.5 مليون متر مربع.

قلب المدينة

يقع المطار الجديد في ملتقى المشاريع العملاقة بإسطنبول، إذ يقع على امتداد جسر السلطان ياووز سليم الذي يربط بين آسيا وأوروبا، وهو قريب جدا من مشروع قناة إسطنبول التي ستربط البحر الأسود بمضيق البوسفور. هذا سيتم إنشاء مدينة مطار إسطنبول بالتزامن مع إنشاء مجمعات سكنية على ضفتي قناة إسطنبول وستكون هذه المشاريع من أحدث المناطق السكنية في إسطنبول.

 

ازدياد الازدحام في إسطنبول سبب إنشاء المطار الجديد

 

بدأت الحدود الاستثمارية والتجارية تتلاشى مع هيمنة العولمة على شتى مفاص الحياة في العالم، ويُعدُّ قطاع الطيران من أكثر القطاعات نموًّا في العالم. حيث ازداد نمو قطاع النقل الجوي الدولي في السنوات العشر الأخيرة بنسبة 5.6%، في حين أن النقل الجوي التركي ازداد في نفس المدة بنسبة 14% أي بنحو ثلاثة أضعاف تقريبا بالمقارنة مع النقل الجوي الدولي، ولا شك أن إسطنبول هي سبب هذه الزيادة. ولكن مطارَي إسطنبول لم يعودا كافيين لاستيعاب هذه الزيادة، لذا كان لا بد من إنشاء مطار جديد. وبحسب تقرير المرور الصادر عن المجلس الجوي الدولي في سنة 2015، فإن مطار أتاتورك في إسطنبول واحد من المطارات التي تستقبل أكثر من 25 مليون مسافر سنويا، وهو يحتل المرتبة الثانية من حيث زيادة عدد المسافرين، وينمو هذا المطار بنسبة 9.1%. في حين أن مطار صبيحة غوكجن في القسم الآسيوي من إسطنبول واحد من بين المطارات التي تستقبل ما بين 10-25 مليون مسافر سنويا، وهو أكثر مطارات اعلالم نموًّا حيث ينمو بنسبة 19.7%. وبسبب الازدحام فإن مطاري إسطنبول تتأخر بعض الرحلات أحيانا وذلك بمعدل 13 دقيقة وتأتي إسطنبول في المرتبة الثالثة على مستوى أوروبا من حيث تأخر الرحلات الجوية. وقد وُضع حجر أساس هذا المطار العملاق الذي يُعد أحد أكبر المشاريع في الجمهورية التركية، في 7 يونيو 2014 من قبل رجب طيب أردوغان. وبعد اكتمال جميع مراحل إنشاء المطار سيكون هناك 6 مدارج مستقلة، و16 طريق للسيارات، وسيتسع المطار لـ500 طائرة، ويستقبل 200 مليون مسافر سنويا. هذا ويشتمل المطار على 3 مبان ضخمة لانتظار المسافرين، وموقف للسيارات يتسع لـ 70 ألف سيارة، ومراكز صحية، وفنادق، وحظائر لصيانة الطائرات، ومستودعات للمواد الغذائية التي تُقدم للمسافرين في الطائرات، بالإضافة إلى بعض المرافق العامة كالمعابد. وسيكون هذا المطار أكبر مطار في العالم.

 

مجموعة شركات عملاقة

لقد رفعت مجموعة شركات (İGA) التي تعهدت بإنشاء مطار إسطنبول الجديد وتشغيله لمدة 25 سنة رأسمالها بقيمة مليار و790 مليون ليرة تركية ليصل إلى 6 مليارات و240 مليون ليرة. وتتكون هذه المجموعة من شركات

(Cengiz, Mapa, Limak, Kolin, Kalyon) وقد أسهمت كل من هذه الشركات في زيادة 358 مليون ليرة لتحقيق زيادة رأس المال. وبعد هذه الزيادة أصبحت مجموعة (İGA) رابع أكبر شركة خاصة في تركيا. وبحسب تقرير “تحليل الأثر الاقتصادي لمطار إسطنبول الجديد” سيتم إيجاد فرص عمل لـ 225 ألف شخص حتى سنة 2025 جرَّاء إنشاء هذا المطار، ما سيزيد من الدخل العائلي للعاملين بنحو 4.4 مليار دولار. في حين أن الدخل القومي التركي سيزيد بنسبة 4.9% بفضل المطار، ومن المتوقع أن تبلغ القيمة المضافة 38 مليار دولار أمريكي في سنة 2025.

 

مركز جديد للبيع بالمفرَّق  

 

ستعمل قرابة 300 شركة طيران في مطار إسطنبول الجديد، وستكون هنالك رحلات إلى 300 نقطة محتلفة في أنحاء العالم. وهذا يعني أن عشرات آلاف الأشخاص سيتجولون يوميا في هذا المطار العملاق، وبالتالي ستنشط المبعيات بالمفرق إلى حدٍّ كبير فضلا عن نمو قطاعي السياحة والنقل. ولذلك ستنتشرفي هذا المطار شركات مبيعات المفرق في مجالات مختلفة مثل الإلكترونيات وأدوات التجميل والأزياء والأطعمة والمشروبات وغيرها. وسيكون في طابق المغادرين محل (duty free) بمساحة 40 ألف متر مربع، وآخر في طابق القادمين بمساحة 14 ألف متر مربع. وستكون هنالك عدة 25 محل (Premium) للموضة والإكسسوارات، وكل محل منها بمساحة 3 آلاف متر مربع. وثمة 30 محل قابل للاستئجار لبيع الساعات والمجوهرات والإكسسوارات وكل محل منها بمساحة 3 آلاف مرت مربع. وستكون هنالك 3 محلات لبيع أزياء الأطفال كل منها بمساحة 300 متر مربع، بالإضافة إلى 5 محلات كل منها لمساحة 450 متر مربع لبيع المنسوجات والأدوات المنزلية.

وإن كثرة الماركات التركية والعالمية ستلبي احتياجات المستهلكين من مختلف الثقافات والشعوب. وفي هذا الصدد قال نائب مدير مجموعة (İGA) للشؤون التجارية لتشغيل المطار مرت باشار: “أهم أولوياتنا توفير متعة التسوق والرفاهية، لذا فإننا نتعاون مع أكبر شركات البيع بالمفرق في تركيا والعالم، ونعقد معها اتفاقيات تجارية”. وهناك إقبال كبير من الماركات للعمل في هذا المطار. وقد أعلنت (İGA) أنه تم تأجير جميع المحلات التجارية في المنطقة المخصصة لمكاتب السياحة والنقل والفنادق، وحتى المباني الملحقة أيضا تم تأجيرها بسبب ازدياد الإقبال عليها. وثمة قائمة بأسماء حوالي مئة شركة ترغب باستئجار محلات لبيع مختلف البضائع كالذهب والفضة والإكسسوارات والساعات والنظارات وما إلى ذلك.

 

مدينة الشحن

إن مطار إسطنبول الجديد سيجعل من مدينة إسطنبول مركزا مهما للشحن الدولي. وقد أُطلق على القسم الخاص بالشحن في هذا المطار اسم “مدينة الشحن”. قد يُظن بأنه ثمة مبالغة في هذه التسمية للوهلة الأولى، ولكن حجم المكان يستحق هذه التسمية، إذ إن المساحة المخصصة لخدمات المناولة الأرضية تبلغ 150 ألف متر مربع، في حين أن المساحة المخصصة لخدمات الشحن تبلغ 1.4 مليون متر مربع، وهذه المساحة تساوي مساحة 200 ملعب كرة قدم حسب المواصفات الدولية، وتم إنشاء مدينة الشحن بحيث تتمكن 35 طائرة شحن كبيرة من الإقلاع في نفس الوقت.  

وبعد اكتمال جميع مراحل المطار ستكون مدينة الشحن هذه الأكبر من نوعها في العالم. وبحسب إحصائيات هيئة المطارات الرسمية كانت حمولة الشحن في مطار أتاتورك في سنة 2016 تُقدَّر بنحو 918 طنًّا، أما حمولة الشحن في المطار الجديد مع بداية تشغيل المطار فمن المتوقع أن تصل إلى 2.5 مليون طن. علما أن أكبر كمية شحن حاليا من نصيب مطار هونغ كونغ حيث تزيد حمولة فيها على 4.5 مليون طن. ولكن بعد اكتمال جميع مراحل مطار إسطنبول الجديد فإن كمية الشحن فيها ستبلغ 5.5 مليون طن.

وقد بدأت الكثير من شركات الشحن التركية والأجنبية بعقد اتفاقيات للعمل في مدينة الشحن بمطار إسطنبول الجديد، وكانت اتفاقية بقيمة 250 مليو يورو في يوليو 2017 قد أُبرمت مع 6 شركات، وهي:

(MNG, PTT, Çelebi Hava Servisi, HAVAŞ, Sistem Lojistik, Bilin Lojistik)، وبالتالي ستقدم هذه الشركات خدماتها في مدينة الشحن ومجال المناولة الأرضية. وقد أبرمت شركة (UPS) أيضا اتفاقية للعمل في هذا المطار، وسيكون حجم استيعاب حمولة (UPS) فيه أكبر من حمولتها في مطار أتاتورك بأربع أضعاف، وفي الاجتماع الذي تم فيه التوقيع على العقد قال مدير (UPS) في شرقي أوروبا دانيال كاريرا: “من المتوقع أن تنمو التجارة الدولية في المستقبل بشكل أسرع من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي إن الاقتصادات تتفاعل أكثر فيما بينها أصبحت مرتبطة أكثر بالتجارة الخارجية، وبالتالي ثمة حاجة أكبر لشبكات التجارة الدولية الآمنة”.

ومن جانبه قال المدير العام  ورئيس المجلس التنفيذي في مجموعة (İGA) قدري صامصونلو: “إن إسطنبول ستكون مركزا عالميا مهمًّا لنقل البشر والبضائع على حد سواء، فتركيا تبعد بمقدار 5 ساعات طيران فقط عن أوروبا والشرق الأوسط وشماليِّ أوروبا وشرقيِّها، أي إن موقع تركيا الجغرافي يوفر لها أفضلية استراتيجية من حيث الخدمات اللوجستية. وخير دليل على ذلك هو أن شركة (UPS) وغيرها من شركات الشحن العملاقة في العالم تخطط للعمل في إسطنبول. وغايتنا هي زيادة كمية الحمولة لإيصال البضائع بشكل أسرع من خلال الاستفادة من موقعنا الاستراتيجي، والتطورات التكنولوجية.

هذا وتفيد منظمة الطيران المدني الدولي التابعة للأمم المتحدة أن الخطوط الجوية تسهم في نقل 35-40% من البضائع في التجارة العالمية، وأن هذه النسبة تزداد باستمرار. ما يؤدي إلى نمو قطاع النقل الجوي الدولي بسرعة. والجدير بالذكر أن نمو قطاع النقل الجوي في تركيا يعادل 3 أضعاف نمو النقل الجوي الدولي.